الشيخ محمد هادي معرفة
501
التفسير الأثرى الجامع
قال ابن الخطيب : ومن أعجب العجاب ادّعاؤهم أنّ بعض الآيات قد نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، وهو قول لا يقول به عاقل إطلاقا ! وذلك لأنّ نسخ أحكام بعض الآيات - مع بقاء تلاوتها - أمر معقول مقبول ، حيث إنّ بعض الأحكام لم ينزل دفعة واحدة ، بل نزل تدريجيّا . . . . أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات - مع بقاء حكمها - فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه ، ويقدّر ما وهبه اللّه تعالى من نعمة العقل ، إذ ما هي الحكمة في نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها ؟ ! ما الحكمة في صدور قانون واجب التنفيذ ، ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه ؟ ! . . . « 1 » . وقال صدر الشريعة في كتابه « التوضيح » : منع بعض العلماء وجود المنسوخ تلاوة ، لأنّ النسخ حكم والحكم بالنصّ ، فلا انفكاك بينهما . وفي كتاب « اللمع » في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي : وقالت طائفة : لا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، لأنّ الحكم تابع للتلاوة ، فلا يجوز أن يرفع الأصل ويبقى التابع . وقال الشيخ محمّد الخضري في كتابه « تاريخ التشريع الإسلامي » : لا يجوز أن يرد النسخ على التلاوة دون الحكم . وقد منعه بعض المعتزلة وأجازه الجمهور محتجّين بأخبار آحاد لا يمكن أن تقوم برهانا على حصوله . وأنا لا أفهم معنى لآية أنزلها اللّه تعالى لتفيد حكما ثمّ يرفعها مع بقاء حكمها ! لأنّ القرآن يقصد منه إفادة الحكم والإعجاز بنظمه معا . فما هي المصلحة في رفع آية منه مع بقاء حكمها ! إنّ ذلك غير مفهوم ، وقد أرى أنّه ليس هناك ما يدعو إلى القول به ! وقال الدكتور مصطفى زيد في كتابه « النسخ في القرآن الكريم » : ومن ثمّ يبقى « منسوخ التلاوة باقي الحكم » مجرّد فرض لم يتحقّق في واقعة واحدة ، ولهذا نرفضه ونرى أنّه غير معقول ولا مقبول . وقال الدكتور محمّد سعاد : لا نستطيع الاقتناع بصحّة وجود المنسوخ تلاوة ، الثابت حكما ، لأنّ صفة القرآنيّة لا تثبت لنصّ إلّا بدليل قطعيّ ، والنسخ الوارد على القطعيّ لا بدّ أن يكون قطعيّا . فلا بدّ لإثبات كون النصوص المذكورة قرآنا منسوخا ، من دليلين قطعيّين ، أحدهما : دالّ على ثبوت القرآنيّة للنصّ ، وثانيهما : دالّ على زوال هذه الصفة . وواحد من الدليلين لم يقم لواحد من تلك النصوص ، فلا يتمّ كونه قرآنا منسوخا . فلا يصحّ عندنا في موضع الخلاف إلّا القول بثبوت النسخ في الحكم دون التلاوة .
--> ( 1 ) الفرقان لمحمّد محمّد عبد اللطيف المعروف بابن الخطيب : 156 - 157 .